الشيخ محسن الأراكي

6

سنن القيادة الإلهية في التاريخ

نعلم - أوّل كتاب عرفه الإنسان أكّد على هذا المفهوم ، وكشف عنه ، وأصرّ عليه ، وقاوم - بكلّ ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم - النظرة العفويّة ، أو النظرة الغيبيّة الاستسلاميّة في تفسير الأحداث . الإنسان الاعتياديّ كان يفسِّر التاريخ بوصفه كومة متراكمة من الأحداث ، يفسّره على أساس الصدفة تارةً ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى تارةً أخرى . لقد قاوم القرآن الكريم هذه النظرة العفويّة الاستسلاميّة ، ونبّه العقل البشريّ إلى أنّ هذه الساحة لها سنن ، ولها قوانين ، ولكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلًا مؤثّراً ، لابدّ لك من أن تكتشف هذه السنن ، وتتعرّف على تلك القوانين ؛ لكي تستطيع أن تتحكّم فيها ، وإلا تحكّمت هي فيك ، وأنت مغمض العينين . افتح عينيك على هذه القوانين ؛ لكي تكون أنت المتحكّم فيها ، وليس العكس . هذا الفتح القرآنيّ الجليل ، هو الّذي مهّد إلى تنبيه الفكر البشريّ بعد ذلك بقرون إلى أن تجري محاولات لفهم التأريخ فهماً علميّاً . وبعد نزول القرآن بثمانية قرون ، بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم ، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التأريخ ، وكشف سننه وقوانينه ، ثمّ بعد ذلك بأربعة قرون - على أقل تقدير - اتّجه الفكر الأوربيّ في بدايات ما يسمّى بعصر النهضة ، نحو تجسيد هذا المفهوم الّذي ضيّعه المسلمون ، حيث لم يتوغّلوا إلى أعماقه .